محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
214
كشف الأسرار النورانية القرآنية
وهناك سببان أصليان يعينان على إسراع نضج الثمار إسراعا عارضيا . ( السبب الأول ) : اللدغ المتسبب عن الحشرات التي تضع بيضها في منسوج الثمر ، فمعلوم أن الثمر التي تلدغها الحشرات تنضج دائما قبل ما لم تلدغه ، وهذا اللدغ يظهر أنه يؤثر تنبيها في وظائف خلايا الثمر ، ويمكن الحصول على النتيجة عينها بوخز الثمر وخزا غائرا بعد نموه الأول وإدخال قليل من الزيت في محل الوخز كي لا يلتحم الجرح بسرعة ، وهذه الطريقة مستعملة للتين والختن الذي يصنع في الجميز ببلاد مصر ، لكن الثمار التي تقدم نضجها بهذه الكيفية تكون أقل جودة من الثمار الأخرى . ( والسبب الثاني ) : يعمل شق حلقي وذلك بإزالة حلقة من قشرة الفرع الذي يحمل الأزهار في زمن التزهر أو قرب زمن انعقاد الثمار ، فتنضج قبل غيرها من ثمار الشجرة والحلقة المنزوعة يلزم أن تكون ضيقة لأجل إمكان حصول الاتصال فيما بعد بسهولة ، وبدون ذلك لا يستقيم الفرع المجروح ويخشى عليه من الموت ، وهذا الشق له تأثيران : ( الأول ) : أنه يضبط العصارة النازلة ضبطا وقتيا في الأجزاء التي تحيط بالثمر ، وهذا يكسب الثمر قوة أكثر في المدة الأولى التي تعقب التلقيح . ( والثاني ) : أنه متى عريت طبقة الخشب الكاذب التي تصعد فيها العصارة اللينفاوية يحصل تنوع لطيف في أوعية هذه الطبقة فتقل سرعة الدورة نحو قمة الفرع ، فينتج من ذلك أن الثمار تصلح للعصارة اللينفاوية والقليلة التي دخلت في باطنها بطريقة أتم وأنها تنضج بسرعة . ( المسألة الخامسة ) : حصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ؛ لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة ، ولما نبه اللّه سبحانه وتعالى على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال : إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : الآية 99 ] . قال القاضي : المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى ؛ لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما في قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : الآية 2 ] . ولقائل أن يقول بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الآلة القادر المختار ظاهرة قوية جلية فكأن قائلا قال : لم